تعتبر الجائحة المقبلة تحديًا كبيرًا، لذا يجب أن نتعلم من تجارب الماضي ونستعد بشكل أفضل.
أظهرت جائحة كوفيد-19 أن سرعة انتشار المرض قد تتجاوز قدرة الأنظمة الصحية والحكومات على الاستجابة، وبعد سنوات من التجربة، ما زالت بعض الأنظمة الصحية تمتلك خططًا واسعة، لكنها تفتقر إلى تحويلها إلى إجراءات عملية مجرّبة وقابلة للتنفيذ بسرعة. ولذلك، أصبح الاستعداد للجوائح قضية تتعلق بالصحة والاقتصاد والمجتمع والتعاون الدولي في الوقت نفسه.
لماذا قد تكون الجائحة التالية مختلفة؟
يصعب توقع المرض الذي قد يشعل الجائحة المقبلة، فقد يكون فيروسًا تنفسيًا جديدًا، أو مرضًا ينتقل من الحيوانات إلى البشر، أو مرضًا يتوسع نطاقه بسبب تغير المناخ. ويسهم السفر والتجارة العالميان، والتدخل المتزايد في مواطن الحيوانات، وتجارة الحياة البرية، وتغير نطاق الحشرات الناقلة للأمراض، في زيادة فرص ظهور تهديدات جديدة وانتشارها.
كما أن المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية قد توفر ظروفًا مواتية للانتشار السريع، عندما تكون البنية الصحية والصرف الصحي غير كافيين. وتُظهِر حالاتُ تفشٍ حديثة أن بعض الأمراض قد تستغرق أسابيع أو أشهرًا حتى تُكتشف، خصوصًا عندما تكون الاختبارات التشخيصية المناسبة غير متاحة.
الاستعداد للجوائح يبدأ قبل ظهور الخطر
أحد أهم الدروس هو أن الاستجابة الفعالة تبدأ قبل اليوم الأول للجائحة. وتشمل الجهوزية توفير الاختبارات ومعدات الحماية، وتجهيز المستشفيات والعاملين الصحيين، وتأمين سلاسل التصنيع والإمداد، وتطوير الأدوية واللقاحات بسرعة.
وتشير تجربة مراكز بحثية حديثة إلى إمكانية بناء منظومة متكاملة تنتقل من اكتشاف العامل المُمْرِض إلى التقييم السريري والاستعداد للتصنيع، إلى جانب تطوير لقاحات خلال 100 يوم من تحديد تهديد فيروسي جديد. كما يمكن أن يساعد البحث الاستباقي عن الفيروسات في الحيوانات على اكتشاف المخاطر قبل انتقالها إلى البشر.
لكن الخطط وحدها لا تكفي؛ فقد أظهرت تقييمات حديثة في أوروبا أن بعض الدول لم تحوّل خطط الطوارئ إلى إجراءات واضحة، وأن أدوار الجهات المختلفة ليست محددة دائمًا، فضلًا عن غياب تدريبات استجابة منتظمة في نحو نصف الدول التي خضعت للتقييم، وهذا يعني أن الجاهزية الحقيقية تُقاس بما يمكن تنفيذه تحت الضغط، لا بعدد الوثائق الموجودة.
التعاون والثقة جزء من الاستجابة
لا يمكن لأي دولة التعامل مع جائحة بمفردها، فمشاركة البيانات والمعلومات، وتنسيق جهود البحث والتصنيع، وضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والاختبارات والعلاجات، كلها عناصر تعتمد على التعاون الدولي؛ إلا أن الخلافات بين المصالح الوطنية والتجارية ومتطلبات الصحة العالمية أدت إلى زيادة تجزؤ الحوكمة الصحية الدولية.
يمثل التواصل الواضح أيضًا عنصرًا حاسمًا، فقد أظهرت تجربة كوفيد-19 أن التقليل من خطورة التهديد أو تقديم تطمينات مبكرة قد يترك الناس غير مستعدين، في حين يؤدي الغموض إلى زيادة القلق وترك مساحة أكبر للمعلومات المضللة. ولهذا، فالأفضل توضيح ما هو معروف، وما يفتقر إلى إثبات، وسبب تغير التوصيات عند ظهور أدلة جديدة.
ويعتمد الاستعداد للجوائح أيضًا على بناء الثقة، لأن نجاح الإجراءات الصحية لا يرتبط بالمعلومات العلمية وحدها، بل بمدى وضوحها وقدرة الجهات المسؤولة على التواصل بشفافية.
مواجهة التضليل قبل أن يتسع
المعلومات المضللة ليست ظاهرة عرضية أثناء الأزمات الصحية، بل يمكن توقعها وتحديد أنماطها، وقد ارتبطت خلال الجائحة بقضايا مثل اللقاحات والكمامات والعلاجات، وأصبحت بعض الخيارات الصحية مرتبطة بالهوية السياسية، ما أضعف الثقة في رسائل الصحة العامة.
اقرأ أيضًا...
لذلك، يتطلب الاستعداد للجوائح مراقبة الشائعات مبكرًا، والرد عليها بلغة واضحة، وبناء شراكات مع المجتمعات المحلية. كما أن الاستماع إلى مخاوف الناس وقيمهم يمكن أن يساعد في بناء الثقة، بدل الاكتفاء بعرض أرقام الإصابات والوفيات.
العلم والتقنية لتقليل المفاجآت
يمكن للبحث العلمي أن ينقل الاستجابة من رد الفعل إلى الاستباق، وتعمل فرق متعددة التخصصات على دراسة الفيروسات في الحيوانات، وتحليل تسلسلها الجيني، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتوقع تطورها وتحديد السلالات التي قد تحمل خطرًا أكبر، ويمكن لهذه الأدوات أن تساعد في تصميم لقاحات أوسع حماية وتحديثها بسرعة.
كما أن الجمع بين علم الفيروسات والمناعة والطب والهندسة والعلوم الاجتماعية، إلى جانب إنشاء مرافق قادرة على دعم الانتقال من المختبر إلى التجارب السريرية والتصنيع، قد يقلص الوقت بين اكتشاف الخطر وتوفير أدوات مواجهته. ويظل البحث المستمر ضروريًا، لأن المعرفة المتاحة عن الفيروسات المحتملة للجائحة لا تزال غير مكتملة. ويُظهر هذا التوجه أن الاستعداد للجوائح لا يعتمد على الاستجابة بعد ظهور المرض فقط، بل يشمل البحث عن المخاطر قبل ظهورها، وتطوير الأدوات اللازمة لمواجهتها في أقصر وقت ممكن.
الأسئلة الشائعة
هل توجد جاهزية كاملة للجائحة المقبلة؟
توجد خطط ومبادرات وتقدم في بعض المجالات، لكن التقييمات الحديثة تكشف فجوات في التنفيذ والتدريب والتنسيق والتمويل والمراقبة، ما يعني عدم وجود جاهزية كاملة.
ما أهم درس من جائحة كوفيد-19؟
كلما جرى رصد التهديد أسرع، وتبادل المعلومات بوضوح، وتشغيل أنظمة الاستجابة مبكرًا، زادت فرص احتواء التفشي قبل تحوله إلى أزمة واسعة.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
يتطلب الاستعداد للجوائح الانتقال من انتظار الأزمة إلى الاستعداد المستمر لها؛ وتبدأ الجاهزية الحقيقية بتمويل البحث، وتقوية أنظمة الرصد والتشخيص، واختبار خطط الطوارئ بانتظام، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وتعزيز التعاون بين القطاعات والدول، ومواجهة التضليل بالشفافية، فالجائحة المقبلة قد لا تكون معروفة الشكل أو الموعد، لكن بناء القدرة على اكتشافها والاستجابة لها بسرعة يمكن أن يجعل تأثيراتها أقل قسوة.
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية
الاستعداد للجوائح يتطلب جهودًا متكاملة من جميع الدول والمجتمعات لضمان صحة وسلامة الجميع.