يُعتبر ذهان ما بعد الولادة حالة نفسية حادة قد تؤثر على الأمهات بعد الإنجاب. في هذا المقال، نستعرض أعراضه، من هم الأكثر عرضة له، وكيفية اكتشافه وعلاجه.
ذهان ما بعد الولادة: من الأكثر عرضة للخطر وكيف نكتشف علاماته؟
بعد ولادة الطفل، قد تختلط مشاعر الفرح بالإرهاق والقلق وقلة النوم. لكن في حالات نادرة قد تتجاوز التغيرات النفسية حدود التعب الطبيعي، فتتغير طريقة تفكير الأم وإدراكها للواقع خلال فترة قصيرة. هنا يظهر ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس كاضطراب نفسي شديد يحتاج إلى التعرف المبكر والتدخل الطبي، وليس إلى اللوم أو الانتظار حتى تختفي الأعراض وحدها.
ما هو ذهان ما بعد الولادة؟
ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس هو حالة نفسية حادة قد تظهر غالبًا خلال الأسابيع الأولى بعد الإنجاب، وأحيانًا تبدأ بصورة مفاجئة. وتشير الدراسات إلى أنه اضطراب نادر، إذ تشير البيانات المنشورة إلى تسجيل حالة إلى حالتين من كل ألف ولادة، مع اختلاف الأرقام بين الدراسات بسبب اختلاف طرق التشخيص والرصد.
تتضمن الحالة اضطرابًا في التفكير والإدراك، وقد تظهر أوهام (Delusions) أو هلوسات (Hallucinations)، إلى جانب الارتباك والتغيرات السريعة في المزاج والسلوك. وقد تبدو الأم في البداية مختلفة عن طبيعتها المعتادة قبل أن تتطور الأعراض بسرعة.
من الأكثر عرضة لهذه الإصابة؟
يرتبط ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس بصورة قوية باضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder)، كما يرتفع الخطر لدى من لديهن تاريخ سابق من ذهان النفاس أو بعض الاضطرابات الذهانية. ومع ذلك، يمكن أن تحدث الحالة أيضًا لدى امرأة لم يسبق لها أن شُخّصت باضطراب نفسي، ولذلك لا يعني غياب التاريخ المرضي استحالة الإصابة.
وتتزامن فترة الحمل والولادة مع تغيرات هرمونية وفسيولوجية كبيرة، واضطراب النوم وضغوط جسدية ونفسية، وقد تعمل هذه العوامل كمحفزات لدى بعض النساء. كما درست الأبحاث ارتباط بعض مضاعفات الحمل والولادة بالحالة، لكن الأدلة لا تسمح باعتبار مضاعفة بعينها سببًا مباشرًا لها.
ما الأعراض التي تستدعي الانتباه؟
قد تكون البداية غير واضحة، ولذلك من المهم أن ينتبه الشريك أو أفراد الأسرة إلى التغير المفاجئ في شخصية الأم. ويختلف ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس عن القلق العابر أو الإرهاق المعتاد، ويتجلى ذلك خصوصًا عندما تكون قدرة المرأة على التمييز بين الواقع وما تتخيله. ومن أبرز العلامات:
- اضطراب شديد في النوم أو انخفاض الحاجة إلى النوم بصورة غير معتادة.
- أفكار متسارعة وكلام سريع أو مشوش.
- ارتباك وتغير واضح في التصرفات والشخصية.
- سماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة.
- اعتقادات غير واقعية، مثل الاعتقاد بأن الطفل مصاب بمرض خطير بسببها.
- خوف شديد أو اندفاع غير معتاد أو أفكار مرتبطة بالموت أو إيذاء النفس أو الطفل.
هل تعني الأفكار المزعجة أن الأم ستؤذي طفلها؟
وجود فكرة اقتحامية (Intrusive Thought) لا يعني تلقائيًا أن الأم ستنفذها. فقد تظهر أفكار مخيفة وغير مرغوبة لدى بعض الأمهات بسبب القلق أو الاكتئاب أو اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder)، مع بقاء إدراكهن أن هذه الأفكار غير واقعية وعدم رغبتهن في تنفيذها.
أما في ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس فقد يحدث فقدان للاستبصار (Loss of Insight)، أي عدم إدراك الشخص أن اعتقاده أو تجربته غير واقعية. وقد تتحول بعض الأفكار إلى معتقدات خطرة، خصوصًا إذا صاحبتها هلوسات أو أوامر بإيذاء النفس أو الطفل. عندها تصبح الحالة طارئة وتحتاج إلى تقييم طبي فوري.
كيف يتم التشخيص والعلاج؟
يعتمد تشخيص ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس على تقييم الأعراض والتاريخ النفسي والجسدي، مع استبعاد بعض الأسباب الطبية التي قد تؤثر في الدماغ. كما ينبغي التمييز بين الاكتئاب الشديد واضطراب ثنائي القطب والاضطرابات الذهانية، لأن العلاج يختلف من حالة إلى أخرى.
اقرأ أيضًا...
وقد يشمل العلاج:
- دخول المستشفى عند وجود ارتباك شديد أو خطر على الأم أو الطفل.
- استخدام أدوية مضادة للذهان (Antipsychotics) للسيطرة على الهلوسات والأوهام والاضطراب السلوكي.
- استخدام مثبتات المزاج (Mood Stabilizers)، وقد يكون الليثيوم (Lithium) خيارًا في بعض الحالات وتحت إشراف طبي دقيق.
- العلاج بالصدمات الكهربائية (Electroconvulsive Therapy) في الحالات الشديدة التي تتطلب استجابة سريعة.
- متابعة نفسية وطبية منتظمة، مع دعم الأسرة وتنظيم النوم والرعاية بعد استقرار الحالة.
وتزداد أهمية التشخيص الصحيح عند وجود اضطراب ثنائي القطب، لأن علاج الاكتئاب بمضاد اكتئاب (Antidepressant) وحده قد لا يكون مناسبًا لبعض المرضى، وقد يؤدي في حالات معينة إلى تحفيز نوبات الهوس.
لماذا لا ينبغي تجاهل العلامات المبكرة؟
تكمن خطورة ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس في إمكانية تصاعد الأعراض خلال فترة قصيرة. لكن اكتشاف الحالة مبكرًا يتيح بدء العلاج قبل أن تصبح أكثر شدة. كما أن الإصابة لا تعني أن الأم سيئة أو غير قادرة على حب طفلها؛ فالاضطراب قد يؤثر في الإدراك والحكم على الواقع بطريقة تتجاوز إرادة الشخص.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا لاحظتم كأسرة تغيرًا مفاجئًا في تفكير الأم أو سلوكها بعد الولادة، فلا تنتظروا حتى تصبح الأعراض شديدة. تحدثوا معها بهدوء عن النوم والمخاوف والأفكار، واطلبوا تقييمًا طبيًا سريعًا عند ظهور هلوسات أو أوهام أو ارتباك واضح. وإذا كان هناك خطر فوري على الأم أو الطفل، فيجب طلب خدمات الطوارئ المحلية فورًا.
نهايةً، ذهان ما بعد الولادة أو ذهان النفاس ليس مجرد حزن بعد الإنجاب ولا دليلًا على ضعف شخصية الأم، بل حالة نفسية قابلة للعلاج وتحتاج إلى تدخل متخصص. والسؤال الذي يبقى أمام كل أسرة هو: هل نعرف كيف نميز بين الإرهاق الطبيعي والتغير النفسي الذي يستدعي المساعدة؟ وهل نتصرف سريعًا عندما تظهر علامة غير مألوفة؟ قد يكون الانتباه المبكر، والتشخيص الدقيق، والدعم بعيدًا عن الوصمة، الفارق الذي يحمي الأم وطفلها.
إذا كنت تعتقد أن أحد أفراد عائلتك يعاني من ذهان ما بعد الولادة، فلا تتردد في طلب المساعدة الطبية. التدخل المبكر يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في العلاج.