تتزايد الأدلة على أن التغذية تلعب دورًا مهمًا في صحة الرئة. في هذا المقال، نستعرض علاقة الفيتامين أ بوظائف الرئة وتأثيره على مرضى الربو.
هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين الفيتامين أ وصحة الرئة؟
قد يكون ما نضعه في طبق الطعام مرتبطًا بما يحدث داخل الرئتين أكثر مما نتصور. فقد كشَفت دراسة حديثة شملت أكثر من ألفَي طفل وبالغ مصاب بالربو عن ارتباط بين ارتفاع مستويات الفيتامين أ وتحسن بعض مؤشرات وظائف الرئة، بينما ظهَر ارتباط مشابه بين الفيتامين أ وصحة الرئة لدي البالغين. وتفتح هذه النتائج بابًا مثيرًا للبحث حول العلاقة بين التغذية والجهاز التنفسي، لكن هل يعني ذلك أن تناول المزيد من هذه الفيتامينات يمكن أن يحسن الربو؟ الإجابة حتى الآن ليست بهذه البساطة.
ماذا وجَدت هذه الدراسة؟
نُشرت الدراسة في دورية Thorax الطبية، واعتمد الباحثون على مجموعتَين من مرضى الربو: 1165 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عامًا، و1041 بالغًا. وقارن فريق البحث بين مستويات الفيتامينات أ ود في الدم ومؤشرات أداء الرئتين.
أظهَرت النتائج أن ارتفاع مستويات الفيتامين أ قد ارتبط لدى الأطفال والبالغين بارتفاع حجم الهواء الذي يستطيع الشخص إخراجه من الرئة خلال ثانية واحدة، وهو مقياس يُعرف باسم حجم الزفير القسري في الثانية الأولى (FEV1)، وكذلك ارتفاع السعة الحيوية القسرية (FVC)، التي تعكس كمية الهواء التي يمكن إخراجها من الرئة بعد أخذ شهيق عميق.
وبعبارة أبسط، تشير النتائج إلى أن الأشخاص الذين كانت لديهم مستويات أعلى من الفيتامين أ قد امتلكوا، في المتوسط، مؤشرات أفضل لوظائف الرئة. وتدعم هذه النتائج الاهتمام المتزايد بدور الفيتامين أ وصحة الرئة لدى مرضى الربو.
أما الفيتامين د، فلم يُظهر ارتباطًا واضحًا بتحسن وظائف الرئة لدى الأطفال، لكنه ارتبط بحدوث ارتفاع FEV1 وFVC لدى البالغين. ويشير الباحثون إلى أن عدم ظهور العلاقة لدى الأطفال قد يكون مرتبطًا جزئيًا بأن قياسات مستويات الفيتامين د لم تكن متاحة إلا لنحو نصف المشاركين في مجموعة الأطفال.
لماذا قد يؤثر الفيتامين أ في الرئتين؟
الفيتامين أ ليس مجرد عنصر غذائي مهم للنظر والمناعة، بل يشارك أيضًا في نمو الرئتين وتنظيم نشاط عدد كبير من الجينات. وتشير مراجعة الدراسة إلى أن دوره قد يختلف باختلاف العمر؛ ففي مرحلة الطفولة يرتبط بنمو الرئتين، بينما قد يشارك لدى البالغين في عمليات إصلاح وتجدد أنسجة الرئة.
وحاول الباحثون فهم ما يحدث داخل الخلايا بدل الاكتفاء بقياس مستويات الفيتامينات. وركزوا على آليات تنظيم الجينات، ومنها جزيئات دقيقة تُعرف باسم الحمض النووي الريبي الميكروي (miRNA)، إضافة إلى عملية تعديل نشاط الجينات من خلال مثيلة الحمض النووي (DNA methylation).
ووجدت الدراسة ارتباطًا بين مستويات الفيتامينات وتغيرات في مناطق من الحمض النووي، بما في ذلك جين IRF5، الذي يشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية داخل الشعب الهوائية. كما ظهرت مسارات مرتبطة بالالتهاب والمناعة ودورة الخلية. لكن هذه النتائج تشرح ارتباطات بيولوجية محتملة ولا تثبت أن الفيتامينات هي التي سببت تحسن وظائف الرئة.
ماذا تقول الدراسات السابقة حول الفيتامين أ وصحة الرئة؟
لا تأتي النتائج الجديدة من فراغ. فقد وجدت دراسة سابقة اعتمدت على بيانات طويلة الأمد من أطفال، أن تناول كميات أكبر من الفيتامين أ من مصادر الغذاء ارتبط لاحقًا بوظائف رئوية أفضل وانخفاض احتمال بعض مؤشرات الربو، بينما لم يظهر هذا الارتباط نفسه مع بيتا كاروتين (β-carotene)، الذي يستطيع الجسم تحويل جزء منه إلى الفيتامين أ.
وفي المقابل، لا تسمح هذه الدراسات بالقول إن تناول مكملات الفيتامين أ سيمنع الربو أو يعالجه. فقد أظهَرت تجارب قديمة على مكملات الفيتامين أ في مراحل مبكرة من الحياة عدم وجود فرق واضح لاحقًا في معدلات الربو أو مؤشرات انسداد مجرى الهواء بين مَن تلقوا المكملات ومَن تلقوا علاجًا وهميًا.
وهنا تظهَر أهمية التمييز بين الحصول على الفيتامين من غذاء متوازن وبين تناول جرعات مرتفعة من المكملات. ولذلك فإن الحديث عن الفيتامين أ وصحة الرئة لدى مرضى الربو يجب أن يبقى في إطار البحث العلمي، لا باعتباره علاجًا مثبتًا للمرض.
اقرأ أيضًا...
هل يعني ذلك من الضروري تناول مكملات الفيتامين أ والفيتامين د؟
ليس بالضرورة. هذه الدراسة الجديدة رصدية، أي أنها بحثت في العلاقة بين مستويات الفيتامينات ووظائف الرئة في وقت معين، ولذلك لا يمكنها إثبات السبب والنتيجة. وقد يكون الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من الفيتامينات أكثر اهتمامًا بنمط حياتهم وصحتهم عمومًا، وهو عامل قد يؤثر بدوره في وظائف الرئة.
كما أن الأدلة على مكملات الفيتامين د أكثر تعقيدًا؛ فقد وجدت دراسات رصدية ارتباطًا بين مستوياته ووظائف الرئة، لكن التجارب التدخلية لم تثبت بصورة ثابتة أن مكملات الفيتامين د تحسّن وظائف الرئة لدى الأطفال أو البالغين المصابين بالربو.
لذلك، فإن الفيتامين أ وصحة الرئة لدى مرضى الربو لا يعنيان أن رفع مستوى الفيتامين فوق المعدل الطبيعي سيؤدي إلى تحسن أكبر.
ما المصادر الغذائية المفيدة؟
يمكن الحصول على الفيتامين أ من مجموعة متنوعة من الأطعمة، بينما توجد مصادر غذائية للفيتامين د أيضًا. والأفضل عادةً التركيز على نظام غذائي متوازن بدل الاعتماد على المكملات من دون حاجة طبية. من أبرز مصادر الفيتامين أ أو سلائفه الغذائية:
- الكبد، مع ضرورة عدم الإفراط فيه بسبب ارتفاع محتواه من الفيتامين أ.
- منتجات الألبان والبيض.
- الخضروات الورقية والخضروات ذات اللون البرتقالي والأصفر، التي تحتوي على الكاروتينات.
- بعض الفواكه والخضروات الغنية بالبيتا كاروتين.
أما الفيتامين د فيوجد في أطعمة مثل الأسماك الدهنية والأطعمة المدعمة، كما يستطيع الجسم إنتاجه عند تعرض الجلد لأشعة الشمس بدرجة مناسبة.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
إذا كنت مصابًا بالربو، فلا تغيّر علاجك أو تبدأ مكملات الفيتامين أ أو د اعتمادًا على هذه النتائج وحدها. احرص على غذاء متوازن، واستشر الطبيب إذا كان هناك سبب يدعو إلى فحص مستويات الفيتامينات أو استخدام المكملات. والأهم أن تستمر في خطة علاج الربو الموصوفة لك؛ لأن الدراسة لا تثبت أن الفيتامينات يمكن أن تحل محل العلاج الطبي.
تمنح الدراسة الجديدة العلماء خيطًا مهمًا لفهم العلاقة بين التغذية والرئتين، وربما تساعد مستقبلًا في تطوير مفهوم التغذية الشخصية في علاج الربو. لكن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى الحاجة إلى دراسات مستقبلية تقيس مستويات الفيتامينات بصورة متكررة وعلى مدى فترة زمنية أطول، حتى يمكن معرفة ما إذا كان تغير مستوياتها يسبق تغير وظائف الرئة فعلًا. وهذا يعني أن الفيتامين أ وصحة الرئة لدى مرضى الربو يمثلان مجالًا واعدًا للبحث، لكنهما لا يقدمان حتى الآن وصفة علاجية جاهزة. وربما يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس فقط: هل يرتبط ارتفاع الفيتامين أ برئة أفضل؟ بل: هل يؤدي تصحيح النقص لدى شخص يعاني منه بالفعل إلى تحسن ملموس في وظائف الرئة؟ وهل تختلف الإجابة بين الطفل والبالغ؟ وإلى أن تجيب التجارب السريرية عن هذه الأسئلة، يبقى التوازن الغذائي والعلاج الموصوف طبيًا الطريق الأكثر أمانًا للتعامل مع الربو.
المصدر: صحتك | الصفحة الرئيسية
بينما تشير الدراسات إلى أهمية الفيتامين أ، من الضروري الحفاظ على نظام غذائي متوازن واستشارة الطبيب قبل تناول أي مكملات. البحث العلمي مستمر لفهم العلاقة بين التغذية والرئتين بشكل أفضل.