تعد نوبات الغياب عند الأطفال من الظواهر التي قد تمر دون أن يلاحظها الأهل أو المعلمون، لكن فهمها مهم لتجنب تأثيرها السلبي على حياة الطفل.
قد يحدق الطفل في الفراغ لثوان قليلة، ثم يعود إلى كلامه أو لعبه كأن شيئًا لم يحدث. قد يبدو الأمر شرودًا عابرًا، وفي الصف قد يفسره المعلم على أنه ضعف تركيز أو عدم انتباه؛ لكن تكرار هذه اللحظات القصيرة بالطريقة نفسها قد يكون أحيانًا علامة على نوع من النوبات، يعرف باسم نوبات الغياب عند الأطفال. ولا تشبه هذه النوبات الصورة الشائعة عن الصرع، إذ لا يظهر تشنج واضح ولا يسقط الطفل، ولهذا قد تمر فترة قبل أن ينتبه الأهل أو أولياء الأمور في المدرسة إلى أن ما يحدث ليس مجرد سرحان طبيعي.
كيف نعرف نوبات الغياب؟
نوبات الغياب عند الأطفال هي نوبات قصيرة يحدث خلالها انقطاع مفاجئ في الانتباه والوعي بما يدور حول الطفل لبضع ثوان، وقد يبدو الطفل خلالها وكأنه يحدق في نقطة ثابتة، أو يتوقف فجأة عن الكلام أو الكتابة أو اللعب، قبل أن يعاود نشاطه الطبيعي بعد انتهاء النوبة دون ارتباك واضح.
متى تكون نوبات الغياب عند الأطفال غير عادية؟
الشرود العادي يمكن غالبًا قطعه بمناداة الطفل أو لمسه أو لفت انتباهه، أما أثناء نوبة الغياب فقد لا يستجيب الطفل، لأن الوعي يكون منقطعًا بشكل مؤقت، وليس لأنه يتجاهل من حوله. وقد ترافق النوبة حركات بسيطة مثل رفرفة الجفون أو تحريك الشفتين أو حركات خاطفة في اليدين، ثم تختفي بسرعة. وقد لا يدرك الطفل أنه توقف عن نشاطه، أو أنه فقد جزءًا قصيرًا مما كان يحدث حوله.
ما الذي يحدث في الدماغ خلال النوبة؟
تحدث نوبات الغياب بسبب اضطراب مؤقت في النشاط الكهربائي داخل الدماغ؛ وقد تلعب العوامل الوراثية دورًا في احتمال إصابة بعض الأطفال بها، وفي بعض الحالات يمكن أن تتأثر النوبة بمحفزات معينة مثل التنفس السريع والعميق أو التعرض لأضواء ساطعة ووامضة. لكن وجود محفز لا يعني أنه المسبب الوحيد، ولا يعني أن كل طفل يعاني من نوبات غياب سيتأثر بالمحفزات نفسها.
متى تظهر نوبات الغياب؟
تظهر نوبات الغياب غالبًا في الطفولة، وتكون أكثر شيوعًا لدى الأطفال مقارنة بالبالغين. وقد تبدأ في سنوات المدرسة الأولى، ولذلك يكون دور الأهل والمعلمين مهمًا في ملاحظة النمط المتكرر لا اللحظة الواحدة فقط.
هل نوبات الغياب تعد خطيرة؟
غالبًا لا تكون نوبات الغياب عند الأطفال خطيرة بالمعنى المباشر، لأنها قصيرة ولا تسبب السقوط أو التشنجات في معظم الحالات، لكن تجاهلها قد يترك أثرًا على الدراسة والانتباه والحياة اليومية، خصوصًا إذا كانت تتكرر مرات كثيرة خلال اليوم، إذ قد تعرّض الطفل لفقدان جزء من شرح المعلم أو التعليمات أو الحوار دون أن يدرك ذلك.
وقد تظهر المشكلة لدى البعض على شكل ضعف انتباه أو تأخر في متابعة الدرس في حين يعود السبب إلى انقطاع الوعي لثوان قصيرة ومتكررة. ولهذا، لا ينبغي التعامل مع قصر النوبة كدليل على عدم أهميتها، لأن المشكلة الأساسية تكمن في تكرار النوبات، لا في مدة كل منها بمفردها.
كيف يشخصها الطبيب؟
يعتمد التشخيص أولًا على وصف دقيق لما يحدث أثناء النوبة، ولذلك من المهم أن يلاحظ الأهل أو المعلمون، توقيت بدء الشرود، ومدة استمراره، ومدى استجابة الطفل عند مناداته، وسرعة عودته إلى نشاطه، ومعدل تكرار الحالة يوميًا. وقد يساعد تصوير النوبة أثناء حدوثها بالفيديو إن أمكن على توضيح أعراضها للطبيب، دون محاولة إثارة النوبة أو تعريض الطفل لأي خطر.
اقرأ أيضًا...
ويعد التخطيط الكهربائي من الفحوصات المهمة الأكثر شيوعًا، والتي قد يطلبها الطبيب للوصول إلى التشخيص؛ لأنه يسجل النشاط الكهربائي للدماغ. وقد يطلب الطبيب فحوصات أخرى عند الحاجة؛ لاستبعاد أسباب مختلفة أو لفهم الحالة بشكل أدق.
علاج نوبات الغياب عند الأطفال
يعتمد علاج نوبات الغياب غالبًا على أدوية مضادة للصرع؛ حيث يحددها الطبيب بحسب عمر الطفل، ونوع النوبات، وتكرارها، وما إذا كانت تترافق مع أنواع أخرى. ويهدف العلاج إلى تقليل النوبات أو السيطرة عليها، تجنبًا لتأثيرها السلبي على التعلم والانتباه والحياة اليومية. ولذلك، لا ينبغي إيقاف الدواء أو تغيير الجرعة دون الرجوع إلى الطبيب، حتى لو بدا الطفل بحال أفضل. وفي حالات عدم استجابة النوبات بشكل كاف مع الأدوية، قد يناقش الطبيب خيارات إضافية، مثل الحمية الكيتونية؛ لكن هذا القرار لا يُتَّخذ منزليًا، بل يتطلب إشرافًا طبيًا واضحًا. ولا يقل دور المدرسة أهمية عن العلاج، لأن إبلاغ المعلمين بالحالة يساعدهم على فهم ما يحدث وتجنب تفسير النوبات على أنها إهمال أو عناد أو ضعف اهتمام.
نصيحة من موقع صحتك sehatok
في النهاية، لا ينبغي التعامل مع نوبات الغياب كشرود عابر، إذا كانت تتكرر بالطريقة نفسها؛ فاللحظات القصيرة التي ينقطع فيها الطفل عن العالم قد تبدو بسيطة لكنها قد تؤثر في التركيز والتعلم، إذا لم تشخص مبكرًا. وإن مراجعة الطبيب عند ملاحظة هذه العلامات لا تدعو للذعر والقلق، بل هي الخطوة الأولى للحصول على تشخيص صحيح وعلاج مناسب ومتابعة تحافظ على دراسة الطفل وحياته اليومية بأكبر قدر ممكن من الأمان.
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية
لا تتردد في استشارة الطبيب عند ملاحظة أي علامات تدل على نوبات الغياب، فالتشخيص المبكر يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في حياة الطفل.