نمط حياة

تشخيص الأمراض النفسية: كيف يتم ذلك بدون فحوصات دقيقة؟

في ظل غياب فحوصات الدقيقة: كيف يتم تشخيص الأمراض النفسية؟

تشخيص الأمراض النفسية يعتبر عملية معقدة تتطلب تقييم شامل يجمع بين عدة عوامل. في هذا المقال، نستعرض كيفية إجراء هذا التشخيص بدون الاعتماد على الفحوصات الدقيقة.

على عكس كثير من الأمراض الجسدية التي يمكن الكشف عنها من خلال تحاليل الدم أو التصوير، يعتمد تشخيص الأمراض النفسية على عملية تقييم شاملة تجمع بين المقابلات السريرية، ومراقبة السلوك، والتقييم النفسي، والتاريخ الطبي والنفسي، إلى جانب الحكم المهني المختص.

وغالبًا ما تبدأ عملية التقييم لدى الطبيب أو اختصاصي الصحة النفسية، مثل الطبيب النفسي أو الاختصاصي النفسي، بهدف رسم صورة متكاملة عن الأعراض. ويشمل ذلك معرفة مدة ظهورها وشدتها، ومدى تأثيرها في الحياة اليومية، إضافة إلى التاريخ الطبي والنفسي والعائلي، والعوامل الحياتية التي قد تسهم في ظهور الأعراض أو تفاقمها.

تشخيص الأمراض النفسية يبدأ بالمقابلة السريرية

تُعد المقابلة السريرية حجر الأساس في عملية التقييم، وخلالها تُطرح أسئلة حول الحالة المزاجية، والسلوك، والنوم، والتركيز، والعلاقات، وطريقة التفكير، ومدى القدرة على أداء الأنشطة اليومية. ولا يقتصر التقييم على ما يُقال فقط، إذ يراقب المختص أيضًا طريقة الكلام، وتنظيم الأفكار، والتعبير عن المشاعر، والنشاط الحركي، والتفاعل مع الآخرين، والانخراط في الحوار. وقد تستغرق المقابلات المنظمة أو شبه المنظمة عادةً بين 45 و90 دقيقة، وقد تتناول المقابلة تجارب صعبة أو صدمات سابقة، واستخدام المواد المؤثرة، والأفكار الانتحارية إن وُجدت. وتساعد هذه الأسئلة على وضع تقييم أكثر دقة للحالة وتحديد مستوى الخطورة واحتياجات الرعاية.

ما دور التاريخ الطبي والفحوص المخبرية؟

رغم عدم وجود تحليل مخبري واحد يحدد معظم الاضطرابات النفسية، إلا أن الفحوص الطبية قد تكون جزءًا مهمًا من عملية التقييم، والهدف منها استبعاد مشكلات جسدية يمكن أن تسبب أعراضًا تشبه بعض أعراض الاضطرابات النفسية.

فاضطرابات الغدة الدرقية، ونقص بعض الفيتامينات، وبعض المشكلات العصبية، أو بعض الأدوية، قد ترتبط بأعراض تتشابه مع الاكتئاب أو القلق أو مشكلات المزاج والتركيز، ولهذا قد يطلب الطبيب تحاليل دم أو فحوصات أخرى، إضافة إلى فحوصات للكحول أو المخدرات عند الحاجة، وفي بعض الحالات قد تُستخدم تقنيات تصوير عصبي.

وبعد استبعاد الأسباب الطبية المحتملة، يصبح من الضروري التمييز بين الاضطرابات النفسية التي قد تتشابه أعراضها؛ فعلى سبيل المثال، قد تتداخل بعض أعراض الاضطراب ثنائي القطب مع الاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو اضطرابات أخرى، ما يجعل التقييم التفريقي ضروريًا.

الأدلة والمعايير التي يعتمد عليها تشخيص الأمراض النفسية

يستند تشخيص الأمراض النفسية إلى معايير تشخيصية موحدة، ومن أبرز المراجع المستخدمة الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية بنسخته الخامسة (DSM-5). ويحدد هذا الدليل أعراض كل اضطراب، ومدتها، وتأثيرها في الأداء اليومي، وهو ما يساعد المختصين على استخدام معايير متسقة.

كما تُستخدم استبيانات ومقاييس موحدة لتقييم شدة بعض الأعراض ومتابعتها مع مرور الوقت، وقد تشمل أدوات لتقييم أعراض الاكتئاب والقلق، واختبارات للشخصية، وتقييمات للوظائف المعرفية مثل الانتباه والذاكرة وسرعة معالجة المعلومات والوظائف التنفيذية. وفي بعض الحالات، يمكن الحصول على معلومات إضافية من أفراد الأسرة أو مقدمي الرعاية أو المعلمين، خصوصًا عند تقييم الأطفال أو الأشخاص الذين يجدون صعوبة في وصف أعراضهم.

مثال على معايير تشخيص الأمراض النفسية في الدليل التشخيصي

فيما يلي مثال من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية لتشخيص اضطراب الاكتئاب الشديد. لتشخيص اضطراب الاكتئاب الشديد، ينبغي أن تظهر 5 أعراض أو أكثر خلال الفترة نفسها لمدة أسبوعين على الأقل، على أن يكون أحد الأعراض على الأقل هو المزاج المكتئب أو فقدان الاهتمام أو المتعة بالأنشطة المحببة. وتشمل الأعراض التسعة الأساسية:

  • مزاج مكتئب معظم اليوم، تقريبًا كل يوم.
  • انخفاض واضح في الاهتمام أو المتعة بمعظم الأنشطة.
  • تغير ملحوظ في الوزن أو الشهية دون اتباع حمية، أو انخفاض/زيادة الشهية.
  • الأرق أو النوم المفرط.
  • التململ أو البطء النفسي الحركي الملحوظ.
  • التعب أو فقدان الطاقة.
  • الشعور بانعدام القيمة أو الذنب المفرط أو غير المناسب.
  • انخفاض القدرة على التفكير أو التركيز أو اتخاذ القرارات.
  • أفكار متكررة عن الموت أو الانتحار، أو وجود أفكار أو محاولات انتحار.

فمثلًا إذا كان شخص يعاني منذ أكثر من أسبوعين من مزاج مكتئب وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها، إلى جانب الأرق، والتعب، وصعوبة التركيز، والشعور بانعدام القيمة، فهو يعاني من ستة أعراض من القائمة، من بينها المزاج المكتئب وفقدان الاهتمام، إذا هذه الصورة قد تستوفي معيار الأعراض للاكتئاب الشديد. لكن التشخيص النهائي لا يُبنى على عدد الأعراض وحده، إذ ينبغي أن يجري مختص بالصحة النفسية تقييمًا شاملًا للتأكد من استيفاء بقية المعايير واستبعاد تفسيرات أخرى للأعراض. ومن المهم التنويه أن هذا مجرد مثال على معايير التشخيص، وليس وسيلة للتشخيص الذاتي.

لماذا قد يستغرق التشخيص وقتًا؟

قد تتشابه أعراض بعض الاضطرابات النفسية، كما يمكن أن تتغير الأعراض مع مرور الوقت. لذلك، لا يعتمد المختص على عرض منفرد أو إجابة واحدة للوصول إلى النتيجة، بل يجمع المعلومات من مصادر متعددة ويعيد تقييم الصورة السريرية كلما ظهرت معلومات جديدة. فالدقة في تشخيص الأمراض النفسية تساعد على اختيار التدخل الأنسب، وتحديد ما إذا كان المريض بحاجة إلى العلاج النفسي أو الأدوية أو الجمع بين أكثر من أسلوب؛ أما التشخيص غير الدقيق فقد يقود إلى تدخل لا يتناسب مع الحالة أو لا يعالج السبب الفعلي للأعراض.

تقييم الخطورة جزء أساسي من التشخيص

لا يقتصر التقييم على تحديد اسم الاضطراب، بل يشمل أيضًا تقدير مستوى الخطورة، بما في ذلك احتمال إيذاء النفس أو الانتحار أو إيذاء الآخرين. وقد تتضمن هذه المرحلة أسئلة مباشرة حول الأفكار الانتحارية والخطط والوسائل المتاحة والنية. كما ينظر المختص إلى عوامل الحماية، مثل الدعم الاجتماعي، والقدرة على التعامل مع الضغوط، والالتزام بالعلاج، لتحديد مستوى الرعاية المناسب.

الأسئلة الشائعة

هل يمكن تشخيص اضطراب نفسي من خلال تحليل دم فقط؟

لا، لا يعتمد تشخيص الأمراض النفسية عادةً على تحليل دم واحد، وإنما على تقييم سريري ونفسي شامل، وقد تُستخدم التحاليل لاستبعاد أسباب جسدية يمكن أن تؤدي إلى أعراض مشابهة.

هل يمكن أن يتغير التشخيص النفسي مع الوقت؟

نعم، قد تتطور الصورة التشخيصية مع ظهور معلومات جديدة أو تغير الأعراض، ولذلك يُنظر إلى التقييم باعتباره عملية مستمرة يمكن تحسينها مع مرور الوقت.

نصيحة من موقع صحتك Sehatok

الدقة في تشخيص الأمراض النفسية تبدأ بتقييم شامل لا يختزل الحالة في عرض واحد أو اختبار منفرد. ويظل التقييم المهني المتكامل، الذي يجمع التاريخ الطبي والنفسي، والمقابلة السريرية، والأدوات المناسبة، واستبعاد الأسباب الجسدية الأساس لفهم الحالة وتوجيه الرعاية المناسبة.

المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية

في النهاية، يعد فهم كيفية تشخيص الأمراض النفسية أمرًا حيويًا لضمان الحصول على الرعاية المناسبة. تأكد من استشارة مختص إذا كنت تعاني من أي أعراض نفسية.

السابق
علاج القلق بدون أدوية: استراتيجيات فعالة لاستعادة الهدوء