يعتبر مرض باركنسون من الأمراض العصبية المعقدة، ويظهر بشكل أكبر بين الرجال. في هذه المقالة، نستعرض الأسباب المحتملة وراء هذه الظاهرة.
يُعتبر مرض باركنسون أكثر شيوعًا بين الرجال مقارنة بالنساء، لكن الأسباب الدقيقة وراء ذلك ظلت غير واضحة لسنوات طويلة. وتقدم دراسة جديدة عُرضت خلال منتدى الاتحاد الأوروبي لجمعيات علوم الأعصاب لعام 2026 أدلة جديدة تشير إلى أن تغيرات جينية تحدث داخل خلايا الدماغ قد تفسر جانبًا من هذه الفروق، ما قد يساعد مستقبلًا في فهم المرض بشكل أفضل وتطوير علاجات أكثر فعالية.
باركنسون عند الرجال.. أرقام تثير الاهتمام
يُعتبر مرض باركنسون ثاني أكثر الأمراض التنكسية العصبية انتشارًا، إذ يصيب نحو 1% من الأشخاص الذين تجاوزوا الـ 60 عامًا. ومع ازدياد متوسط العمر عالميًا، من المتوقع أن يصل عدد المصابين إلى نحو 9 ملايين شخص بحلول عام 2030، أي ضعف عدد الحالات المسجلة عام 2005.
تشير البيانات إلى أن باركنسون عند الرجال يحدث بمعدل يزيد بنحو 1.5 مرة مقارنة بالنساء، كما أن النساء غالبًا ما يُصبن بالمرض في عمر أكبر ويعشن فترة أطول بعد الإصابة. ورغم وجود تفسيرات محتملة، مثل زيادة تعرض الرجال لإصابات الرأس أو لبعض المواد الكيميائية مثل المبيدات والمذيبات والمعادن، فإن هذه العوامل لا تقدم تفسيرًا كاملًا للفروق بين الجنسين.
كيف حاولت الدراسة تفسير هذه الفروق؟
ركزت الدراسة على ما يُعرف بالتغيرات فوق الجينية، وهي تغيرات لا تعدل الحمض النووي نفسه، وإنما تتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها. وأحد أشهر هذه التغيرات هو مثيلة الحمض النووي، وهي عملية تؤدي إلى إيقاف نشاط بعض الجينات؛ وتشير النتائج إلى أن التركيبة الجينية لكل شخص قد تؤثر في هذه التغيرات، وهو ما قد يساعد في تفسير الاختلافات بين الرجال والنساء المصابين بمرض باركنسون.
تحليل خمس مناطق من الدماغ
اعتمد الباحثون على عينات دماغية مأخوذة من أشخاص متوفين، شملت 73 مصابًا بمرض باركنسون، بينهم 28 امرأة و45 رجلًا، إضافة إلى 24 شخصًا غير مصابين بالمرض، منهم 9 نساء و15 رجلًا. وقام الفريق بدراسة نشاط الجينات في خمسة مناطق مختلفة من الدماغ، مع التركيز على جميع أنواع الخلايا، بما فيها الخلايا العصبية والخلايا الداعمة لها. وكشفت النتائج عن علامات إجهاد واضحة في جميع هذه المناطق، إذ زادت الخلايا من إنتاج بروتينات تساعد على التعامل مع البروتينات المتضررة داخل الدماغ.
اختلافات بين الرجال والنساء داخل خلايا الدماغ
إلى جانب الاستجابة المشتركة للإجهاد، كشفت الدراسة عن اختلافات في نشاط بعض الجينات بين الرجال والنساء داخل أنواع معينة من الخلايا؛ ففي الخلايا النجمية، ظهرت اختلافات في نشاط الجينات المرتبطة بالميتوكوندريا، وهي المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
أما في الخلايا قليلة التغصن، فقد وُجدت اختلافات في الجينات المسؤولة عن تشكيل غمد الميالين، وهو الغلاف الواقي الذي يساعد على نقل الإشارات العصبية بكفاءة. وتشير هذه النتائج إلى أن المرض لا يؤثر في الجميع بالطريقة نفسها، بل تختلف استجابة بعض خلايا الدماغ بين الرجال والنساء، وهو ما قد يفسر اختلاف الأعراض وسرعة تطور المرض.
وقد نوقشت نتائج الدراسة في ندوة 2026 لاتحاد جمعيات علم الأعصاب الأوروبية.
اقرأ أيضًا...
كيف يمكن الاستفادة من هذه النتائج مستقبلًا؟
يفتح هذا الفهم الجديد الباب أمام إمكانية تطوير علاجات أكثر تخصيصًا، بحيث تراعي الفروق البيولوجية بين المرضى بدلًا من التعامل مع جميع المصابين بالطريقة نفسها. كما تسلط الدراسة الضوء على أهمية توسيع نطاق الأبحاث المستقبلية لتشمل جميع أنواع خلايا الدماغ، وليس التركيز على الخلايا العصبية وحدها، من أجل فهم أفضل لكيفية تطور المرض واختلافه بين الأفراد.
ورغم أن هذه النتائج تقدم أدلة مهمة لفهم باركنسون عند الرجال بصورة أعمق، إلا أن مرض باركنسون لا يزال من أكثر الأمراض العصبية تعقيدًا، إذ قد يبدأ قبل سنوات من ظهور أعراضه الحركية، كما تختلف أسبابه وتطوره من شخص لآخر، ولا يوجد حتى الآن اختبار بسيط قادر على تشخيصه مبكرًا في جميع الحالات.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
تقدم هذه الدراسة خطوة جديدة نحو فهم سبب زيادة انتشار مرض باركنسون عند الرجال، لكنها لا تقدم إجابات نهائية بعد، ولذلك من المهم التعامل مع هذه النتائج بحذر، إذ لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث لتأكيدها وفهم دورها الحقيقي في تطور المرض، وهو ما قد يسهم مستقبلًا في تحسين وسائل التشخيص والعلاج.
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية
تظل الأبحاث حول مرض باركنسون مستمرة، ومن المهم متابعة التطورات لفهم أفضل وإيجاد علاجات أكثر فعالية.