تعتبر عوامل الخطر القابلة للتعديل للسرطان من أهم الموضوعات التي يجب مناقشتها لفهم كيفية الوقاية من هذا المرض. في هذا المقال، نستعرض حقائق وإحصائيات مهمة حول هذا الموضوع.
عوامل الخطر القابلة للتعديل للسرطان: الوقاية قبل فوات الأوان
عندما يسمع الإنسان لأول مرة عبارة: لديك سرطان، لا يسمع بعدها شيئًا بوضوح. تتجمّد اللحظة، ويتباطأ الزمن، وتتحول الحياة فجأة إلى قبل وبعد. في تلك اللحظة، لا يفكّر المريض بالإحصاءات ولا بالدراسات، بل يفكّر بعائلته، بأحلامه المؤجّلة، وبسؤالٍ صامت لا يُقال غالبًا: هل كان يمكن تجنّب هذا كله. ما لا يعرفه كثيرون، أو ربما ما لا نحب أن نواجهه، هو أن عددًا كبيرًا من قصص السرطان لم يكن حتميًا، بل أن جزء كبير من السرطان مرتبط بعوامل في حياتنا اليومية، بعادات تراكمت ببطء، وبمخاطر كان يمكن تعديلها أو تقليلها لو أُخذت على محمل الجد في وقتٍ أبكر. هنا تحديدًا يظهر مفهوم عوامل الخطر القابلة للتعديل للسرطان، ليس كمصطلحٍ طبي جامد، بل كفرصة إنسانية حقيقية لتقليل المعاناة.
ماذا تقول الأرقام؟ وما الذي تخفيه خلفها؟
وفقًا لدراسة دولية واسعة نُشرت في مجلة Nature Medicine، بدعم من منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان، تبيّن أن ما يقارب 40% من العبء العالمي للسرطان يعود إلى عوامل خطر قابلة للتعديل للسرطان.
في عام 2022 وحده، ارتبطت 7.1 ملايين حالة سرطان بهذه العوامل. الأرقام كانت أعلى عند الرجال (45.4%) مقارنة بالنساء (29.7%)، ومع اختلاف الدول والمناطق، تجاوزت النسبة في بعض الأماكن حاجز 50%.
لكن خلف كل رقم من هذه الأرقام، هناك شخص حقيقي. هناك أمّ، أو أب، أو طفل، وهناك رحلة علاج طويلة، وخوف، وإنهاك جسدي ونفسي كان من الممكن، في بعض الحالات، تقليله أو حتى تجنّبه.
عوامل الخطر القابلة للتعديل للسرطان: أين يبدأ الخطر فعليًا؟
لا تنشأ هذه العوامل فجأة، بل تتسلل إلى الحياة اليومية بهدوء، حتى تصبح طبيعية. تشمل عوامل الخطر القابلة للتعديل للسرطان مجموعة من السلوكيات والظروف التي نعيش معها أحيانًا دون أن نشعر بثقلها الحقيقي، مثل:
وقد أظهرت الدراسة أن التدخين والعدوى والكحول وحدها مسؤولة عن ما يقارب 28.5% من حالات السرطان عالميًا. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من العبء ليس لغزًا طبيًا معقّدًا، بل نتيجة مسارٍ طويل من التعرّض المستمر.
سرطانات شائعة… لكنها ليست حتمية
من أكثر ما يثير الألم في نتائج الدراسة أن ما يقارب نصف السرطانات القابلة للوقاية تتركز في ثلاثة أنواع شائعة:
- سرطان الرئة، المرتبط أساسًا بالتدخين وتلوث الهواء
- سرطان المعدة، المرتبط بعدوى الملوية البوابية
- سرطان عنق الرحم، المرتبط بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV)
المفارقة القاسية هنا أن هذه السرطانات من الأكثر انتشارًا، لكنها في الوقت نفسه من الأكثر قابلية للوقاية. أي أننا لا نتحدث عن أمرٍ نادر أو استثنائي، بل عن معركة كبيرة ومخيفة جدا كان يمكن تجنبها قبل أن تبدأ.
الاختلاف بين الرجال والنساء
كشفت الدراسة عن فروق واضحة بين الجنسين، في عام 2022، أظهرت البيانات أن هناك 20 مليون حالة جديدة من السرطان حول العالم، وتسببت هذه السرطانات بحوالي 10 ملايين وفاة. من هذه الحالات، 7.1 مليون حالة سرطانية كانت مرتبطة بعوامل يمكن تعديلها أو تغييرها، أي عوامل تتعلق بأسلوب الحياة أو البيئة أو العدوى، وليست بسبب الجينات فقط.
اقرأ أيضًا...
- النساء: من إجمالي 9.2 مليون حالة سرطانية تم تسجيلها، كانت 2.7 مليون حالة مرتبطة بالعدوى والتدخين، حيث يسببان سرطانات مثل سرطان عنق الرحم والرئة.
- الرجال: من إجمالي 9.6 مليون حالة سرطانية تم تسجيلها، كانت 4.3 مليون حالة مرتبطة باستخدام التبغ والعدوى، المسببين لسرطانات الرئة والمعدة والكبد.
الوقاية خير من قناطير من العلاج الكيمياوي والإشعاع والجراحات
تشدد منظمة الصحة العالمية على نقطة إنسانية شديدة الأهمية: الحديث عن عوامل الخطر القابلة للتعديل للسرطان يجب أن يكون دعوة للوعي، لا أداة للّوم، فاللوم يثقل المريض نفسيًا، ويؤخر طلب المساعدة، ويضيف عبئًا جديدًا إلى معاناة قائمة أصلًا. أما الوقاية، فهي معرفة، وتمكين، ورسالة أمل تقول: ليس كل شيء خرج عن السيطرة.
الاستثمار في الوقاية من السرطان لا يحمي فقط من الورم، بل ينعكس على صحة الإنسان ككل. فهو يقلل أمراض القلب، والسكري، وأمراض الجهاز التنفسي، ويخفف الضغط عن الأنظمة الصحية، ويقلل الأعباء المالية والنفسية على الأسر. ببساطة، الوقاية من السرطان ليست رفاهية صحية، بل استثمار في الحياة نفسها.
لسنا قادرين على التحكم بكل ما يحدث لأجسادنا، لكننا قادرون على اتخاذ خطوات صغيرة، لكنها عميقة الأثر:
- التوقف عن التدخين
- تلقي اللقاحات الوقائية
- تحسين نمط الغذاء والحركة
- تقليل التعرض للمخاطر البيئية
ربما لا تمنع هذه الخطوات كل السرطانات، لكنها قادرة على أن تمنع كثيرًا من الألم، وذلك وحده سبب كافٍ لأن نبدأ.
المصدر: صحتك | الصفحة الرئيسية
إن الاستثمار في الوقاية من السرطان هو استثمار في الحياة. اتخذ خطوات صغيرة اليوم لحماية صحتك وصحة من تحب.