تأثير جائحة كوفيد-19 على الشخصية موضوع مهم يستحق الدراسة، حيث أظهرت الأبحاث تغييرات ملحوظة في سمات الشخصية خلال هذه الفترة.
تأثير جائحة كوفيد-19 على الشخصية: هل أحدثت تغييرات في شخصياتنا؟
تُعد سمات الشخصية عادةً مستقرة نسبيًا طوال مرحلة البلوغ، لكن الأحداث المجهدة قد تؤثر في طريقة التعبير عنها. تشير نتائج دراسة حديثة إلى أن تأثير جائحة كوفيد-19 على الشخصية قد يكون ملحوظًا لدى بعض الفئات، خاصةً الشباب، إذ رُصدت تغيّرات في بعض السمات النفسية خلال سنوات الجائحة.
اعتمدت الدراسة على بيانات من مشروع بحثي واسع شمل 7109 مشاركين من دراسة أمريكية تُعرف باسم (Understanding America Study)، وهي قاعدة بيانات تضم نحو 9500 شخص يمثلون السكان على المستوى الوطني. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة (PLOS One) العلمية.
نموذج السمات الخمس للشخصية
تعتمد العديد من الدراسات النفسية على نموذج يُعرف باسم النموذج الخماسي للشخصية، والذي يقسم الشخصية إلى خمس سمات رئيسية، هي:
- الانبساط: الميل إلى النشاط والتفاعل الاجتماعي.
- العُصابية: الميل إلى القلق والتشاؤم والانفعال الزائد.
- الضمير الحي: التنظيم والانضباط وتحمل المسؤولية.
- الموافقة أو الودّية: التعاطف واللطف والتعاون مع الآخرين.
- الانفتاح على التجارب: الفضول والتفكير الإبداعي والانفتاح الذهني.
عادةً ما تبقى هذه السمات مستقرة نسبيًا مع التقدم في العمر، مع حدوث تغيّرات طفيفة مثل زيادة الضمير الحي والشخصية الودّية تدريجيًا، مقابل انخفاض طفيف في العصابية والانبساط والانفتاح.
تأثير جائحة كوفيد-19 على الشخصية خلال مراحل مختلفة
قسم الباحثون فترة الجائحة إلى مرحلتين رئيسيتين:
- المرحلة الحادة: من 1 مارس 2020 حتى 31 ديسمبر 2020
- مرحلة التكيّف: من 1 يناير 2021 حتى 16 فبراير 2022
أظهَرت النتائج أن مستويات العصابية انخفضت خلال المرحلة الأولى من الجائحة في عام 2020 مقارنة بالفترة التي سبقتها، إلا أن هذا الانخفاض لم يستمر، إذ عادت مستويات العصابية في الفترة بين 2021 و2022 إلى مستويات قريبة من تلك التي كانت قبل الجائحة.
في المقابل، أظهَرت السمات الأربع الأخرى اتجاهًا مختلفًا، إذ لم تتغير بشكل ملحوظ في بداية الجائحة، لكنها انخفضت خلال مرحلة التكيّف بين 2021 و2022 مقارنة بمستوياتها قبل الجائحة، وشمل ذلك الانبساط والودّية والانفتاح والضمير الحي، وأشار الباحثون إلى أن حجم هذه التغيّرات يشبه التغيّرات التي قد تحدث عادةً خلال عقد كامل من حياة البالغين.
الشباب هم الأكثر تأثرًا بالتغيّرات
أظهَرت النتائج أن الشباب كانوا أكثر الفئات تأثرًا بالتغيرات في سمات الشخصية خلال الجائحة، ففي حين شهد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم أكثر من 65 عامًا حدوث أكبر انخفاض في العصابية خلال عام 2020، لم يكن هذا الانخفاض ملحوظًا لدى المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا في المرحلة نفسها.
لكن في الفترة بين 2021 و2022، ظهَر اتجاه مختلف لدى الشباب، إذ ارتفعت مستويات العصابية لديهم مقارنة بما كانت عليه قبل الجائحة، وفي المقابل انخفضت مستويات الودّية والضمير الحي بشكل أكبر مقارنة بالفئات العمرية الأخرى.
اقرأ أيضًا...
أما لدى كبار السن، فقد بقيت مستويات معظم السمات النفسية في الفترة نفسها قريبة من مستوياتها قبل الجائحة، ما يشير إلى أن شخصياتهم كانت أكثر مقاومة لتأثيرات الظروف العالمية، وقد يرجع ذلك إلى أن مرحلة الشباب تمثل فترة يتشكل فيها نضج الشخصية تدريجيًا، وهو ما قد يجعلها أكثر حساسية للتغيرات الاجتماعية والضغوط الكبيرة مثل تلك التي صاحبت الجائحة.
أحداث عالمية قد تؤثر في الشخصية
تشير هذه النتائج إلى أن الأحداث العالمية الكبرى قد تؤثر في الشخصية بدرجة أكبر مما كان يُعتقد سابقًا، فبينما أظهَرت دراسات سابقة أن بعض الكوارث الطبيعية المحلية لم تُحدث تغيّرات واضحة في سمات الشخصية، تختلف جائحة كورونا في أنها حدث عالمي أثّر في جميع جوانب الحياة تقريبًا.
كما أظهَرت تحليلات فرعية أن بعض المجموعات السكانية قد تأثرت بدرجات مختلفة، إذ سُجل انخفاض أكبر في بعض السمات مثل الانبساط والانفتاح لدى بعض المشاركين مقارنة بغيرهم، وهو ما قد يرتبط بدرجات مختلفة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
نصيحة من موقع صحتك
تشير هذه النتائج إلى أن تأثير جائحة كوفيد-19 على الشخصية قد يكون موجودًا بالفعل لدى بعض الفئات، خصوصًا الشباب، لكن هذه التغيّرات كانت محدودة نسبيًا، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مؤقتة أم طويلة الأمد، ولذلك يؤكد الباحثون أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسات والمتابعة للتأكد من مدى استمرارها مع مرور الوقت. وفي جميع الأحوال، فإن فهم التأثيرات النفسية للأحداث العالمية قد يساعد على دعم الصحة النفسية والتكيّف مع التغيرات الكبيرة التي قد يمر بها المجتمع.
المصدر: صحتك | الصفحة الرئيسية
في الختام، من الضروري متابعة تأثيرات جائحة كوفيد-19 على الشخصية لفهم كيفية التكيف مع التغيرات النفسية والاجتماعية.