تعتبر بكتيريا الإنفلونزا الدموية من الأمراض التي كانت تُسبب قلقًا كبيرًا في الماضي، ومع تزايد المخاوف من عودتها، يصبح من الضروري فهم الوضع الحالي.
في الممارسة الطبية، هناك أمراض لا تُنسى بسهولة، ليس لأنها شائعة، بل لأنها تترك أثرًا قاسيًا في الذاكرة، وكانت بكتيريا الإنفلونزا الدموية Haemophilus influenzae type b (Hib) واحدة من تلك الأمراض التي عرفها جيل سابق من الأطباء جيدًا، ثم اختفت تقريبًا مع اللقاحات، حتى أصبح كثير من الأطباء الجدد لم يروها في حياتهم العملية، لكن القلق اليوم لا يأتي من فراغ، بل من مؤشرات متفرقة بدأت تتجمع لتشير إلى احتمال عودة هذا المرض بشكلٍ لا يمكن تجاهله.
مخاوف من عودة بكتيريا الإنفلونزا الدموية
بدأ عدد من الأطباء يعبّرون عن قلق متزايد من أن بكتيريا الإنفلونزا الدموية (Hib)، وهي عدوى بكتيرية قد تسبب إعاقات دائمة أو وفاة عند الأطفال، قد تعود للظهور من جديد، خاصة مع ازدياد التردد في تلقي اللقاحات. وقد تم الإبلاغ عن حالات خطيرة في عدة ولايات أمريكية مثل كاليفورنيا ونيويورك وفلوريدا، وهو أمر لم يكن مألوفًا خلال العقود الماضية.
تم تسجيل حالتَين شديدتين في مدينة واحدة في فلوريدا خلال ستة أشهر فقط، وهو رقم يعتبر مرتفعًا جدًا مقارنة بما كان يُتوقع سابقًا على مستوى الدولة خلال عام. وفي إحدى هذه الحالات، توفي طفل، بينما أُصيب الآخر بضرر دماغي شديد جعله قريبًا من حالة موت دماغي، وهي نتائج تعكس خطورة هذا المرض.
وتمت الإشارة من الأطباء المشرفين على هاتين الحالتين إلى أنه أصبح من الضروري التفكير مجددًا في هذا المرض أثناء تقييم الأطفال، خصوصًا القادمين من مناطق لم يلتزم فيها الأهالي بالتطعيم، وهو ما يضيف عبئًا كبيرًا على التشخيص، لأن الأعراض قد تكون غير محددة وغير خاصة بهذا المرض في البداية، ولا يمكن تأكيدها إلا بعد فحوصات مثل زرع الدم أو تحليل السائل الدماغي الشوكي، وأحيانًا قد يتأخر التشخيص حتى تتدهور حالة الطفل بشكل خطير.
تاريخ الإصابة ببكتيريا الإنفلونزا الدموية
قبل إدخال اللقاح عام 1987، كانت بكتيريا الإنفلونزا الدموية Haemophilus influenzae type b (Hib) تسبب حوالي 20 ألف حالة شديدة سنويًا في الولايات المتحدة، معظمها لدى أطفال دون عمر 18 شهرًا، مع تسجيل نحو 1000 حالة وفاة سنويًا. لكن، بعد إدخال اللقاح، انخفض عدد الحالات بشكل كبير إلى نحو 50 حالة سنويًا فقط، مع معدل وفيات يقارب 5%، وهو ما يُظهر التأثير الكبير للتطعيم في السيطرة على المرض.
يرى بعض الخبراء أن هذه المشكلة الحالية لا تتعلق فقط بعودة المرض، بل أيضًا بضعف أنظمة المراقبة الصحية، حيث تم تقليص التمويل والكوادر في بعض الجهات، مما أدى إلى وجود فجوات كثيرة في النظام الصحي.
كما أن معدلات التطعيم بين الأطفال في انخفاض واضح، وهو ما انعكس أيضًا على زيادة حالات أمراض أخرى يمكن الوقاية منها مثل الحصبة والسعال الديكي.
ما عدد الحالات الكلي حتى الآن؟
في المقابل، تشير البيانات الرسمية إلى عدم وجود زيادة واضحة في حالات بكتيريا الإنفلونزا الدموية لدى الأطفال، حيث تم تسجيل 4 حالات فقط في عام 2026 بين الأطفال دون سن الخامسة، مقارنة بنحو 21 حالة في 2025، و27 حالة في 2024. لكن بعض الأطباء يرون أن هذه الأرقام قد لا تعكس الصورة الكاملة، خاصة مع وجود تأخير أو نقص في تسجيل الحالات.
اقرأ أيضًا...
أيضًا، تم الإبلاغ عن حالات حديثة لدى أطفال غير مُلقحين، بعضها حدَث خلال فترة زمنية قصيرة، ما يعزز القلق من وجود نمط متكرر. وفي كاليفورنيا، تم تسجيل 11 حالة بين عامَي 2018 و2024 لدى أطفال دون سن الخامسة، وكان معظمهم إما غير مُلقحين أو لم يُكملوا جدول التطعيم.
العلاقة المباشرة مع رفض اللقاحات
تشير تقارير حديثة إلى أن انخفاض معدلات التطعيم قد يكون مرتبطًا بانتشار الشكوك حول اللقاحات، وهو ما أدى إلى زيادة الأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتُعد بكتيريا الإنفلونزا الدموية مثالًا واضحًا على ذلك، لأن معظم الحالات الحديثة كانت لدى أطفال لم يتلقوا اللقاح.
تحديات أخرى تواجه الأطباء
من التحديات المهمة أن كثيرًا من الأطباء اليوم لم يسبق لهم رؤية هذا المرض، ما قد يؤدي إلى تأخر التشخيص، خاصة أن بكتيريا الإنفلونزا الدموية يمكن أن تُسبب مجموعة واسعة من الحالات مثل:
لكن أكثر ما يخشاه الأطباء هو تورم لسان المزمار، وهو حالة طارئة قد تؤدي إلى انسداد مجرى الهواء واختناق الطفل خلال وقت قصير. وفي الحالات الحرجة، يتطلب الأمر تدخلًا سريعًا ودقيقًا، ليتم نقل الطفل مباشرة إلى غرفة العمليات وتأمين مجرى الهواء عن طريق التنبيب، مع الاستعداد لإجراء شق حنجري طارئ إذا لزم الأمر، لأن أي تأخير قد يكون مميتًا.
الخلاصة
ما يحدث اليوم ليس بالضرورة عودة وباء، لكنه تذكير واضح بأن بكتيريا الإنفلونزا الدموية لم تختفِ، بل تم كبحها فقط، وأن أي تراجع في الوقاية، يمكن أن تعود بنفس الشدة التي كانت عليها. وبين تطور الطب وتغير سلوك المجتمع، يبقى العامل الحاسم هو مدى التزامنا بأبسط وأقوى وسيلة وقاية عرفها الطب الحديث وهي التطعيمات.
يجب أن نكون واعين لأهمية التطعيمات للحفاظ على صحة الأطفال ومنع عودة الأمراض الخطيرة.